الجريدة اليومية الأولى في البحرين

العدد : ١٢٣٧٤ - الأربعاء ٨ فبراير ٢٠١٢ م، الموافق ١٦ ربيع الأول ١٤٣٣ هـ
(العودة للعدد الأخير)


حول غياب ثقافة المواطنة





مع غيابِ المذهبيات السياسية عن تاريخ الإسلام رسالةً وصحابةً وقرآناً تحاول القوى المذهبية أن تسوقَ نفسها عبر فرض الأمر الواقع، لكن لا يمكن أن يُكتب في جواز السفر مصطلح (سني) أو (شيعي) أو (درزي) إلا حين تغدو الدولةُ طائفيةً علنية.

ولا يمكن أن تقولَ الدولةُ انها سنية أو شيعية، أو إسماعيلية، فيغدو تعبير الدولة الإسلامية قفزة اصطلاحية أو تعميماً، مثل حين تصر الدساتير على أن مرجعيتها التشريعية ترتكز على الشريعة(الإسلامية) فيما هي ترتكز على سلطة مذهبية وآراء محافظة.

هذا التمايزُ بين تاريخِ السلف التوحيدي وتاريخِ الطوائف التفتيتي، يتشكلُ من تباين التاريخ (الطوائفي) الوسيط عن وعي التوحيد بين زمنيةِ السلف المتجسدةِ توحيداً ونهضةً وبين الزمنيةِ المعاصرةِ التي تنشدُ التوحيدَ والنهضةَ المشتركة لجميع المواطنين وهي عاجزة عنهما.

ومن هنا فإن قارئَ القرآن يصطدمُ بين واقعِ التوحيد فيه، وغيابِ مصطلحات المذهبيين داخله، واعتبار كلمة الطوائف حين تجيءُ مرةً واحدة كجماعاتٍ متحاربة يجب التوفيق بينها ثم إذابتها في الكل الموَّحد.

هذا التباينُ يشيرُ إلى دخول العالم الراهن للعرب خاصة مرحلةً تحولية مختلفة عن العصور السابقة، وقد رفض الإسلاميون الديمقراطيون الرواد والليبراليون والتنويريون الأولون في عصر النهضة التوحيدية العربية الأولى في بدايات القرن التاسع عشر وما بعده رفضوا استخدام كلمات المذهبية ومفرداتها واعتبروا إدخالها في لغة التخاطب رذيلةً، وليس مشكلة تعبيرية سياسية اجتماعية، يجب مناقشتها ومعرفة تاريخها وجذورها وامتداداتها المعاصرة وكيفية نفيها بشكل ديمقراطي.

كانوا يَصدرون فكرَهم هذا عن استخفاف بكلمة المذهبية وعصبيتها العميقة في الحياة السياسية الاجتماعية، وكانت تخيم في زمنِهم التنويري سحابةٌ فيها بعضُ المطرِ التوحيدي لجماعة المسلمين العالمية، فتصوروا الأمرَ انه بمجردِ انتشار التعليم والرقي الاجتماعي فإن أوشابَ العصور القديمة المظلمة ستنجلي مثلما اعتمدوا في مناهجهم التحليلية الفكرية على كلماتِ النورِ والليلِ والظلام والصباح تمثيلاً وتشبيهاً لحالاتِ الطبيعةِ بحالاتِ المجتمع، فما هي سوى هبة من شعاعٍ حتى تذوب الطائفيات وكأنها لم تكن.

ولكن الأمرَ لم يكن نوراً وظلاماً، بل كانت تواريخ أممٍ وقبائل وطبقات متصارعة باسم الإسلام، كلٌ منها ترى ذاتَها ممثِّلةً للإسلام وغيرها خارجه، وهي كلها أشكالٌ فكرية تعبيرية عن مضامينها القومية والوطنية والقبلية تجسدت من خلال الطوائف ولم تملك من العصور القديمة إمكانات للفصل بين القومي والديني، بين الوطني والمذهبي.

ولهذا فإن عجز المجتمعات العربية والفارسية والتركية والكردية وغيرها من الأمم التي تسودُ في أغلبها ديانةُ الإسلام، عن التعبير عن نفسها بثقافة المواطنة، هو عجزٌ في هؤلاء المواطنين في تاريخهم الفكري السياسي عن أن يعبروا عن أنفسهم بالمصطلحات السياسية الحديثة.

لقد جاءت فتراتٌ سياسية تم فيها هذا التعبير بشكلٍ وامض، في زمنيةِ الهباتِ الوطنية ضد الاستعمار، لكنها لم تترسخ في منظومةٍ دستورية حقوقية مركزة على المواطنة وثقافتها وحقوقها وواجباتها.

إن المشرعين الدستوريين والمصلحين والقوى السياسية عجزوا عن وضع منظومةٍ متكاملةٍ تنزعُ هيمنات فئات أو قوميات أو أجناس عن النظام السياسي المرجو والمُعد كمستقبل دائم.

في أفضل هذه التجارب وهي التجربة التركية لم تتلاش الهيمنةُ القومية التركية عن الأكراد المسلمين، وإذ فصلتْ مسألةَ الدين عن المواطنة، لم تجعل اللغات القوميةَ والحقوقَ القومية الأخرى مصانةً في الدستور. فالمواطن هنا ظل مشروخاً بين أن يكون تركياً طورانياً أو كردياً أو عربياً أو غيره من القوميات.

إن المذهبيةَ السنيةَ هنا لم تطلبْ لنفسها سيادةً لا أحدَ ينازعها فيها بشكل أساسي، ولكن القوميات تصارعتْ إلى حد هدد الخريطة السياسية المشتركة، ولم يظهر النظامُ السياسي المتعددُ القوميات والمذاهب والمتحد في كل وطني مشترك.

هذا التصاعد التركي نحو الحداثة والديمقراطية، تنازعه ظروفُ الأقاليم والطبقات والجماعات، حيث الثروات تنصبلا في المراكز وفي المدن وعند الأقسام الحكومية والمحيطين بها، فكان لابد من توزيع وطني للثروات عبر التخطيط والمشروعات الوطنية وإزالة التمركز الذي يُغرق ويميل الخريطة في جانب اجتماعي قومي سياسي واحد.

هنا جوهر مشكلات الدساتير والأنظمة ومذهبة الإسلام حيث الدولة الحديثة لم تظهر، ولاتزال مصطلحات ومفردات العصور الماضية هي التي تهيمن، فالمواطنةُ نتاجُ الرسملة، نتاجُ تشكل مجتمع حديث أساسه الطبقات لا الطوائف، وأساسه التصنيع الذي يكون الشعوب.

حين تقارب التطورات الاقتصادية المساواة بين الناس والذكور والإناث والقوميات في القانون لا من حيث الثروة الفعلية، حينئذٍ تظهر دول المواطنة لا الدول المذهبية الدينية.

هذا ما لا يحدث في البلدان العربية وغيرها من البلدان المنتمية للعالم الإسلامي، مفردات المواطنية لا تتحقق مع مشروعات وطنية توحيدية وتصعيد مؤسسات للمواطنين لا للمذهبيين، بحيث تغدو المدرسة والجامعة والشرطة والمؤسسة الاقتصادية تتعامل مع مواطنين، متساوين أمام القانون، وذات مناهج دراسية عامة لا طائفية، ومن دون ذلك لا تتشكل دولٌ عربية أو تركية أو كردية ذات جذور تعود إلى ثقافات الأديان السماوية والأفكار العصرية معاً



.

نسخة للطباعة

الأعداد السابقة