الجريدة اليومية الأولى في البحرين

العدد : ١٢٤٨١ - الجمعة ٢٥ مايو ٢٠١٢ م، الموافق ٤ رجب ١٤٣٣ هـ
(العودة للعدد الأخير)

قضايا و آراء


أزمة العقل الديني بين الجمود والانفتاح





هل نعيش - نحن المسلمين- أزمة عقل في واقعنا المعاصر؟؟ وما مظاهر الجمود في التفكير العقلي الإسلامي في تراثنا السلفي وواقعنا المعاش؟ وما السبل الكفيلة لإنعاش العقل العربي الديني لينهض من جديد ليبث روحا جديدة في جسد الأمة؟

أسئلة كثيرة تحتاج منا إلى وقفات، وإلى إجابات شافية، وهذا ما سنسلط الأضواء فيه على محاور الأسئلة السالفة الذكر.

فمن المعلوم ان للعقل الدور الأساسي لحركة بناء صرح الفكر الاسلامي، بما يحويه من اطر ومفاهيم وآفاق وابعاد، وهو يعد الاداة الفاعلة، التي اقتنصها العلماء والفلاسفة والمفكرون، في اكتشاف المعارف والعلوم والافكار، والتي سددت للبشرية ما هي عليه الآن، وكذا فإنه أسهمت هذه العلوم والمعارف، في بناء صرح الحضارة.

وما الاجتهاد في الشريعة الإسلامية واستنباط الاحكام، الا عملية إعمال للعقل، وعملية انتاج للافكار، في ضوء الفهم والربط والتحليل والاستنتاج.

وإعمال العقل فريضة وواجب، فقد اطلق القرآن الكريم حرية العقل، وحرره من آفة الجمود والتخلف والركود، ودعاه إلى التأمل وإعمال التفكير والاستنباط والفهم والتحليل.

وكثير من نصوص القرآن الكريم والتراث ما يدعوا إلى ذلك، يقول الحق سبحانه وتعالى: «افلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها». وقوله: «وليتذكر أولو الألباب»، وقوله: «ان في ذلك لآيات لقوم يعقلون».

لقد شهد الحراك الاجتهادي، تقدما وازدهارا وانفتاحا في حياة الأئمة، الذين أسسوا لمدارس اجتهادية عقلية، في القرنين الثاني والثالث، وكان التصنيف في تلك الفترة إعمالا للعقل والتفكير، من اجل استنباط الحكم من الادلة المشتهرة، الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وسائر الادلة التابعة.

كان النتاج العلمي الاجتهادي، مرآة للحركة العلمية والانتعاش العلمي السائد في تلك الفترة، وغالبا ما تكون المصنفات على شكل كتاب موجز، يسمى بالعادة (متنا) ثم يقوم من بعده من العلماء أو الفقهاء أو التلاميذ بشرحه، وهناك ما يسمى (الحواشي) و(الهوامش) و(التقريرات)، وكلها افرازات، للتقدم والاجتهاد العلمي، والذي ذاع صيته في القرون الأولى، والذي كوّن علامة مضيئة كبيرة، لحركة إحياء العقل الديني الإسلامي.

الا انه مع حركة الازدهار العلمية هذه طرأت مرحلة من مراحل الجمود والركود، وقد تكون لاسباب مخصوصة، وهي في الاغلب القرون التي تلت سقوط بغداد بيد التتار بعد منتصف القرن السابع الهجري.

ولعله قد يكون العامل السياسي وراء ذلك، فكما يلعب الجانب السياسي مع حركة اليقظة العلمية، في القرون الأولى، فإن تدهور الاوضاع السياسية يؤدي حتما إلى ضعف النتاج العلمي، علاوة على غلق باب الاجتهاد، وما صاحب ذلك من حركة جمود تشريعي، اثرت في الساحة، وقد يكون عامل التعصب المذهبي، بالتمسك لآراء السابقين من الشيوخ والأئمة والاعلام، من العوامل التي ساعدت على ذلك. (مبادئ الثقافة الاسلامية، محمد باروق، ص٢٣٠).

في عالمنا المعاصر، ومع نمو حركة التيار الاسلامي الداعي إلى تجديد الحياة الاسلامية ضمن منظور حضاري وتنموي، يستطيع ان يجمع بين الرؤية الاسلامية، واهداف الشريعة، وضمن متطلبات الحياة العصرية ومشكلاتها ومستجداتها، فإنه ثمة دعوات على الساحة، بضرورة التغيير والتحول في المنهجية الفكرية الاسلامية، كمرحلة اساسية أولى لمرحلة النهوض الإسلامي.

ويرى كثيرون، أن تطوير (الاجتهاد)، يعد المفتاح الرئيس لعملية النهضة الإسلامية التقدمية، مؤمنين باهمية المواءمة والتوفيق بين (الدين والحياة)، و(الأصالة والمعاصرة)، و(التراث والتجديد). (آليات التجديد في الاجتهاد، صادق العبادي).

ولعل من أولى حركات الاجتهاد المعاصرة، ان تواجه النصوص في الكتاب والسنة، مواجهة مستقلة واضحة، تنطلق من الفهم الواعي المستند إلى ثقافة علمية اصيلة، ودقيقة وواسعة، في المجالات التي تتحرك فيها القواعد اللغوية والاصولية، ومع لحاظ التركيز في الاجواء والظروف التي انطلقت فيها، مع ملاحظة الظروف الموضوعية التي نعيشها. (حركة الاجتهاد أمام قضية التطور، محمد حسين فضل الله).

ثنائي (العقل والنص)، هذا العمق الامتدادي الكبير، في مسيرة الفكر الاسلامي، شكل جدلية كبيرة بين علماء الاسلام، لدرجة ان تشكلت بذلك مدارس فقهية اجتهادية.

الا انه مع ذلك فان كثيرا من العلماء، حاول ان يعطي للعقل قيمته، فكانت مواقفهم صريحة اتجاه (الفكر الاخباري)، بمدرسته السلفية والمنقادة للنص الديني.

وبالتالي فقد اخذ الكثيرون على عاتقهم بث روح حيوية جديدة، عبر قراءات جديدة ومتأنية للنصوص الدينية، اسهمت بكثير في اعطاء شحنة كبيرة في الحيوية العلمية، التي من شأنها، اعطاء دفعة إلى الأمام لمسيرة تقدمية الاسلام وانفتاحه.

وامامنا جملة من النصوص، التي كان للعلماء قراءاتهم المختلفة حولها.

(فمنها) ما ورد في نهج البلاغة، من أن شخصا جاء إلى أمير المؤمنين (علي بن أبي طالب)، وقال له: لو غيرت شيبك يا أمير المؤمنين؟؟!!، الم يقل رسول الله (ص)، غيروا الشيب، فقال (عليه السلام): الخضاب زينة، ونحن قوم في مصيبة -إشارة إلى وفاة النبي-، وكأنه يقول انما شرع لظرف ما، وهو قلة المسلمين، وكثرة الشيب في لحاهم، والزمان زمان حرب، فكان الامر بالخضاب، لاعطاء الفرسان المسلمين هيبة وقوة وبهاء، اما الآن، فقد كثر المسلمين، وزادت حماستهم، وقويت شوكتهم، فقد لا يحتاج إلى هذا الاعتناء بهذا الأمر.

(ومنها) ما ورد في (الكافي) للإمام المحدث الكليني -رحمه الله تعالى-، من ان سفيان الثوري -رحمه الله -، دخل على الإمام الصادق -عليه السلام-، يوما وعليه ثياب بيض ناصعة البياض، فقال سفيان للصادق: «إن هذا اللباس ليس من لباس»؟ فقال له الصادق: «اسمع مني، فإن ما اقول، لك خير لك عاجلا وآجلا، ان انت مت على السنة والحق، لم تمت على بدعة، أخبرك بأن رسول الله، كان في زمان مقفر جدب، فإذا ما اقبلت الدنيا، فأحق أهلها بها أبرارها، لا فجارها، ومؤمنوها لا منافقوها، ومسلموها لا كفارها...» الحديث.

رأينا النظرة التقدمية في فكر الإمام الصادق (عليه السلام)، وكأنما يقول، ان لكل عصر ظروفه وملابساته واحتياجاته، فما كان في زمان، لا يصلح -البتة- لهذا الزمان. والخلاصة، اننا بحاجة إلى مراجعة في آليات تفكيرنا العقلي الاجتهادي، وإلى إعمال مزيد من العقل في مقابل النص، وان نوجد مزاوجة بين (العقل والنص)، بما يحقق لنا الكثير من المكاسب العلمية التي تثري الساحة الاجتهادية بكثير من الرؤى والافكار، لمصلحة الحركة الفكرية العلمية، ولصالح الإسلام والمسلمين، والله الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل.



.

نسخة للطباعة

الأعداد السابقة