الجريدة اليومية الأولى في البحرين

العدد : ١٢٥٤٠ - الاثنين ٢٣ يوليو ٢٠١٢ م، الموافق ٤ رمضان ١٤٣٣ هـ
(العودة للعدد الأخير)

فــــــي الذكرى الـ ٦٠ لثورة ٢٣ يوليـــــــــــــــــو ..١٩٥٢ شهادات وحقائق للتاريخ
الدور التاريخي لثورة ٢٣ يوليو في تحرر العرب ومواجهة الاستعمار





أكد خبراء سياسيون عرب ومصريون أن ثورة ١٩٥٢ نجحت بقيادة الرئيس جمال عبدالناصر في تغيير وجه الحياة على امتداد العالم الثالث كله، وقالوا: إن ثورة يوليو دعمت جميع حركات التحرر في العالم العربي وإفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، سياسيا وماديا وعسكريا، وإن عبدالناصر كان رمزا عالميا لحرية الشعوب والثورة على الاستعمار، واستمد منه الثوار دفقات ثورية هائلة ساعدتهم على الصمود والنجاح.

وقال د. أحمد يوسف القرعي مدير تحرير مجلة السياسة الدولية: إن ثورة يوليو محطة رئيسية في حياة الشعب المصري، تعبر بصدق عن حضارته وتطلعاته الدائمة لحياة أفضل، وعندما قامت الثورة كان هناك نظام دولي يقوم على الحرب الباردة، فحرصت الثورة على الإسهام في تصحيح مسار النظام الدولي الذي انبثق عام ١٩٤٥ بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية.

وأكد أن ثورة يوليو شعرت بأهمية مساندة حركات التحرر في العالم الثالث اتساقا مع مبادئها، باعتبار أن الحرية لا تتجزأ، فأقرت حق تقرير المصير للشعب السوداني الذي كان خاضعا للحكم المصري حتى عام ١٩٥٣، كما ساندت حركات التحرر في القارات الثلاث: إفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية، واستضافت ثوار إفريقيا وقدمت لهم جميع أشكال الدعم والمساندة.

التحرر العالمي

وأوضح حلمي شعراوي مدير مركز الدراسات العربية والافريقية بالقاهرة أن انطلاق فكرة التحرير الافريقية بدأت من القاهرة في منتصف الخمسينيات، وأن ثورة يوليو اعتبرت علاقة مصر بإفريقيا جزءا لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، وعندما نذكر ثورة يوليو وافريقيا، نتذكر دائما فكرة الدوائر التي عبر عنها جمال عبدالناصر في كتابه «فلسفة الثورة» وهي الدائرة العربية والدائرة الافريقية والدائرة الإسلامية.

وأضاف: إن العالم بعد الحرب العالمية الثانية وبالتحديد عام ١٩٥٢ كان يعيش في إطار منظومة من القوى الاستعمارية التي انتصرت في الحرب، واستقرت لها مناطق النفوذ، واكتفت بتقديم الوعود الزائفة، بمنح الاستقلال للدول التي تحتلها إلا أن إدارة مصالح هذه القوى الاستعمارية لم تسمح للشعوب بالحصول على أي شيء.

وأكد الشعراوي أن مؤتمر باندونج ١٩٥٥ كان نقطة تحول في صياغة علاقات مصر مع حركات التحرر في العالم، فقد تعرفت مصر في هذا المؤتمر وضعها العربي والافريقي والآسيوي، وبرزت شخصية عبدالناصر بشكل عالمي، كما أقامت علاقات اخترقت حدود الدائرة الاستعمارية، وعاد عبدالناصر من باندونج ليقيم نظام تعدد مصادر التسليح، والحصول على أسلحة من شرق أوروبا، ومن باندونج أيضا بدأت فكرة تطوير مؤتمر الشعوب الافريقية والآسيوية، وبدأت الفكرة العربية تقوى، فاستضافت القاهرة في ديسمبر ١٩٥٧ مؤتمر الشعوب الافريقية والآسيوية الذي كان له صدى عالمي ضخم.

وأوضح أن ما جذب إفريقيا إلى مصر الناصرية هو إقرار ثورة يوليو حق تقرير المصير للسودان، وتأميم قناة السويس والمبادئ الإنسانية التحررية التي جسدها قرار التأميم، وبخاصة مبدأ حق الشعوب في السيطرة على ثرواتها الأساسية، وبروز اسم جمال عبدالناصر كرمز وقائد عالمي لحركة تحرر الشعوب، فقد وقفت ثورة يوليو بكل القوة مع ثورة الماوماو في كينيا، وساندت ودعمت بكل القوة زعيمها جومو كينياتا، ثم دعمت الكونغو حين أرسلت قوات مصرية إليها، إضافة إلى موقفها المعادي والمناهض للنظام العنصري في جنوب افريقيا، كما كان لمصر دور أساسي في دعم المؤتمر الوطني الافريقي بزعامة نيلسون مانديلا، الذي مازال حتى هذه اللحظة يشيد بدور مصر وجمال عبدالناصر في تحرير جنوب إفريقيا من نظام الفصل العنصري، كما أقامت الثورة تحالفات مع الدول الافريقية المستقلة آنذاك مثل غينيا وغانا ومالي، وقامت بتكوين كتلة الدار البيضاء في إطار دعم لومومبا في الكونغو، التي كانت الدول الاستعمارية قد قررت عدم السماح باستقلالها، بسبب ثرواتها الضخمة من الماس، وهي الثروات التي جعلت المعركة حول الكونغو مستمرة منذ عام ١٩٦٠ حتى اللحظة الراهنة.

وأوضح شعراوي أن منظمة الوحدة الافريقية انبثقت عن كتلة الدار البيضاء وكان أهم مؤسساتها لجنة تحرير المستعمرات، التي اكسبت فكرة دعم المستعمرات عسكريا شرعية دولية، بعد أن كان هذا الدعم يعتبر خروجا عن الشرعية الدولية، وأن عملية التحرير الوطني التي كانت رائجة في الخمسينيات والستينيات تحولت الآن إلى شكل آخر من أشكال التحرير، يقوم على التحرر الاقتصادي والسياسي في إطار نظام معولم.

حكمة عبدالناصر

وقال السفير أحمد حجاج رئيس الجمعية الافريقية بالقاهرة: إن ما يؤكد دور مصر في حركة التحرر الافريقية ما قاله الزعيم الافريقي نكروما من أنه بعد معركة السويس ١٩٥٦ بدأنا نتحرك لتحرير إفريقيا بمساندة ودعم كبيرين من جانب مصر عبدالناصر.

وأشار إلى أن قيام كتلة الدار البيضاء التي كانت أول اتحاد إفريقي يعطي إفريقيا مفهوم القارة السياسية، والتي توحدت فيها مجموعة من دول الشمال الافريقي ودول جنوب الصحراء، لتشكل تكتلا قوميا يناهض الاستعمار، ويعمل على تفادي الآثار السلبية للحرب الباردة التي كانت مستعرة آنذاك بين المعسكرين الشرقي والغربي، جعل الاستعمار الغربي يحاول إقامة كتلة من الدول المرتبطة به سميت كتلة «مونروفيا» إلا أن مصر بزعامة عبدالناصر نجحت في إجهاض هذه المحاولة، حيث أمكنها إقناع هذه الدول بأن من مصلحة إفريقيا ألا تكون هناك تكتلات، وأن تكون لافريقيا منظمة قارية وحيدة، وبذلك تم إنشاء منظمة الوحدة الافريقية التي أجمع كل أعضائها على أن تكون القاهرة مقرا دائما لها، إلا أن عبدالناصر بحكمته أصر على أن يكون مقر المنظمة في دول افريقية، لترسيخ البعد الثقافي بين دول القارة، كما أصرت مصر على أن ينضم أعضاء المنظمة إلى حركة عدم الانحياز.

وأشار حجاج إلى أن أول قمة إفريقية عقدت في يوليو ١٩٦٤ بالقاهرة وتبعها انعقاد المؤتمر الثاني لرؤساء دول عدم الانحياز.. كما أن الدول الافريقية كانت تتطلع للقاهرة باعتبارها مركزا للنضال الافريقي، حيث كان العديد من الدول الافريقية لاتزال ترزح تحت وطأة الاحتلال الفرنسي والبريطاني والبرتغالي.

وأوضح أنه من الأسباب الرئيسية للعدوان الثلاثي على مصر عام ١٩٥٦ تأييد ودعم مصر لحركة التحرر في الجزائر والشعوب العربية والافريقية والآسيوية المتطلعة للتحرر والاستقلال، مشيرا إلى الدور الكبير الذي لعبته الجمعية الافريقية بالقاهرة في تحرير الشعوب الافريقية، التي أنشأتها مصر وخصصتها لإقامة كل زعماء حركات التحرر الافريقية طوال سنوات نضالهم ضد الاستعمار، الأمر الذي لم ينسه كل الزعماء والرؤساء الأفارقة الذين يصرون على أن تكون زيارة مقر الجمعية ضمن برنامج زيارتهم لمصر، تقديرا منهم لدور مصر في تحرير الدول الافريقية.

وقال: إن منظمة الوحدة الافريقية عكفت في سنواتها الأولى على تحرير الدول الافريقية التي كانت ترزح تحت الاحتلال، الأمر الذي أدى إلى زيادة الارتباط بين الدول الافريقية وقضية فلسطين، وخاصة في ظل العلاقة الوثيقة التي كانت قائمة آنذاك بين إسرائيل والنظام العنصري في جنوب افريقيا، موضحا أن حركات التحرر الافريقية تلقت دعما كبيرا من لجنة تحرير إفريقيا بدار السلام، وأن مصر كانت أكبر مساهم في هذه اللجنة، سواء في الدعم العسكري أو التدريب أو الدعم المادي والسياسي.

وأكد السفير أحمد حجاج الحاجة الماسة لاستعادة روح ثورة يوليو ونهج زعيمها عبدالناصر، واستثماره في دعم مسيرة التعاون العربي الافريقي، مطالبا القمة العربية القادمة في بيروت بالتركيز في إحياء مسيرة التعاون العربي الافريقي، التي توقفت بعد مؤتمر القمة العربي الافريقي الأول الذي انعقد في القاهرة في مارس ١٩٧٧ لأهمية هذا التعاون للطرفين معا.

تغيير العالم الثالث

وأكد د. عمرو حمزاوى أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة أن ثورة يوليو نجحت في تغيير وجه الحياة على امتداد العالم الثالث كله، مشيرا إلى أن قدرة الثورة على قراءة الخريطة الدولية التي كانت موجودة آنذاك، والانطلاق من هذه القراءة لرسم معالم حركتها الدولية، إن مصر الثورة تبنت مبدأ تصفية الاستعمار كأول المبادئ الستة التي نجحت في تحقيقها عمليا، وقد انعكس هذا المبدأ على حركة مصر في كل دوائرها، بدءا من دائرتها الداخلية، حينما نجحت في إجلاء القوات البريطانية عن مصر، ثم منحت السودان استقلاله، وعلى الدوائر الخارجية، لعبت مصر دورا رائدا في مساندة ودعم كل حركات التحرر على امتداد الوطن العربي والقارة الافريقية والعالم الثالث على اتساعه.

وأشار إلى أن ثورة يوليو آمنت انطلاقا من فهمها لحركة التغير في الوضع العالمي، بضرورة حركة الشعوب في العالم الثالث، فلعبت دورا رائدا ورئيسيا في إنشاء حركة تضامن الشعوب الافروآسيوية، التي بدأت من باندونج عام ١٩٥٥، قبل أن تنطلق حركة عدم الانحياز عام ١٩٦١ في بلجراد، وكان ذلك تعبيرا عن إيمان الثورة الناصرية بأن للشعوب دورا مهما في صياغة وتشكيل العلاقات الدولية.

وأوضح حمزاوي أن ثورة يوليو ركزت في السنوات الأولى في البعد السياسي، لكنها سرعان ما أدركت بعبقرية فريدة ضرورة إضافة البعد الاقتصادي لحركة التحرر الوطني في العالم الثالث، وطرحت مفهوم التحرر الاقتصادي للعالم الثالث، والاعتماد الجماعي على الذات، وتحسين شروط التبادل التجاري بين الشمال والجنوب كطريق للتحرير ومن هنا كان دور مصر أساسيا ومركزيا في دعم مفهوم التحرر الاقتصادي ولعبت دورا مهما في عقد الدورة الخاصة للأمم المتحدة عام ١٩٦٤ التي خصصت للقضايا الاقتصادية.

وأكد أن مصر لم تكن تسعى من خلال قيادتها لحركة التحرر العالمي إلى الدخول في صدام مع الغرب موضحا أن مصر والولايات المتحدة حاولتا في البداية إقامة علاقات جيدة وكان لكل منهما دوافعه فالولايات المتحدة كانت قوة ناهضة تسعى لتوسيع مجال حركتها في شتى أنحاء العالم ومصر كانت ترى أن قيادتها لحركة التحرر العالمي لا تقود بالضرورة إلى مواجهة مع أمريكا لكن ما حدث أن هذا الدور القيادي المصري أدى فيما بعد إلى مواجهة رغم عدم رغبة مصر الدخول في مواجهة مع الولايات المتحدة فقد دعت مصر الولايات المتحدة إلى الاستثمار فيها وطلبت تزويدها بالسلاح الأمريكي لبناء القدرة العسكرية المصرية وأرسلت ٣ بعثات على مستوى عال إلى واشنطن لهذا الغرض كما رحبت بالعرض الأمريكي للمساهمة في تمويل إنشاء السد العالي فضلا عن أن مصر عبدالناصر لم تكن تسعى بشكل عام للصدام مع الغرب.

وقال: إن الصدام بين مصر عبدالناصر وأمريكا والغرب، وقع لإصرار أمريكا على طرح مشاريع وأفكار تتعلق بالدفاع عن الشرق الأوسط وكان ذلك بالنسبة لمصر مرفوضا؛ فقد رأت أن المشاريع والأفكار الأمريكية حول الدفاع عن الشرق الأوسط هي استبدال للاستعمار التقليدي، فحركة مصر في الخمسينيات والستينيات بها ثوابت ومتغيرات لعبت دورا رئيسيا في رسم سياسة مصر الخارجية حيث كان الثابت الرئيسي هو تمييز مصر بين الدائرة العربية وغيرها من الدوائر؛ فالارتباط بالدوائر الأخرى ربما يكون جغرافيا أو ثقافيا لكن الارتباط العربي هو ارتباط انتماء أصيل وارتباط وجود ومصير مشترك لكن في ظل هذا الثابت حدثت متغيرات وتطورات منها أن الدائرة الإسلامية تحولت إلى الاهتمام بالعالم الإسلامي ثقافيا وتعليميا وظلت الدائرة الافريقية رئيسية حتى عدوان ١٩٦٧ ومع ضغوط الصراع العربي الإسرائيلي انخفض الاهتمام بالدائرة الافريقية والعالم الثلاث قليلا وزاد الاهتمام بالدوائر العالمية لإدراك مصر أن الصراع العربي الإسرائيلي هو الذي يتحكم في دوائر حركة مصر.

















.

نسخة للطباعة

«ربيع عربي».. أم «نهب العرب»؟

في هذا الأسبوع, أتيح لي أن أحضر جلسة رمضانية، كان الحضور فيها محدودا في مجلس سمو الشيخ علي بن خليفة آل ... [المزيد]

الأعداد السابقة