الجريدة اليومية الأولى في البحرين

العدد : ١٢٥٣٨ - السبت ٢١ يوليو ٢٠١٢ م، الموافق ٢ رمضان ١٤٣٣ هـ
(العودة للعدد الأخير)

الثقافي

ثنائية الواقع والمتخيل
في رواية سلالم النهار لفوزية السالم (٣-٤)





الرقص

أسهبت الروائية في مفهوم الرقص ودلالاته، وحركات الجسد الذي يؤديها، إلا أن مدخل الرواية كان مهما بحسب ما أتصور؛ لأنه كان مرتكزا رئيسا لحركة الأحداث، ونمو الشخوص، وتحولاتها، فكما هو معروف لدى الكثير أن الرقص هو لغة الإنسان من القديم، تلك اللغة التي حاول أن يعبر من خلالها عن مكنوناته العاطفية والنفسية، وعن تطلعاته الاجتماعية، وحراكه الفكري، لذا نجد الرقص قد وجد في ثقافات الشعوب كلها، في تراثها الديني، والشعبي، وفي حياتها ومناسباتها السعيدة، فيحضر الرقص المرتبط بالدين لدى الإنسان القديم، وارتبط أيضا عند بعض فرق المتصوفة، وحضر في التراث الشعبي بوصفه إحدى ثيمات الفلكلور لمجتمع ما، وبرز أيضا الرقص بغرض الإثارة، وبغرض نشر الثقافة والفكر، مثل رقص الباليه.

وإذا كان الرقص أو حركة الجسد لدى كل من الرجل والمرأة حالة من حالات الإنسان، فهو لغة تشكلها حروف الجسد، وتضبطها الحركات التي تعطي هذا الجسد أو ذاك جمالية وافتنانا لدى المتلقي له، وحين نجعل غاية الرقص تفريغ الشحنات الداخلية والمقموعة من الاثنين، فهذا يعني أن تلك الشحنات تخرج بحسب طبيعة مناخ وطقوس الحالة التي وجد فيها الجسد استعدادا للرقص، فله من جماليات في حركة الجسد، وإغوائه في أثناء الحضور والغياب، وفي حالة الجوع والانتظار، وله من الفرح الذي يخرجه الجسد مترجما ما في مكنون صاحبه، ولكن حين يكون الألم فهذا يأتي من زاويتين، الأولى يأتي الألم من خلالها حين يكون الجسد منهمكا في الرقص من دون إعطاء فرصة له لكي يستريح، وهذا في كل حالات الرقص، والثانية إذا كان الجسد الراقص مجبرا على الرقص لظرف ما نفسي أو اجتماعي أو اقتصادي، وهو من أصعب وأشد الآلام على الجسد وصاحبه، ومن هنا جاء الرقص ضمن سياق الثقافة والتراث، من الرقص الشرقي، إلى رقص التانغو، إلى رقص الرومبا ورقص السامبا، ورقص الباليه، وغيرها من الرقصات التي تتطلب نوعا من الموسيقى لكي يسير إيقاعها، إلا أن النص وقف على عتبات الرقص الذي يرمي إلى الإثارة من قبل جسد المرأة تجاه مشاعر وشجون الرجل، والدخول في دهاليز تطفل العيون الذكورية، نحو إيماءات الأجساد الأنثوية.

وأشار النص الروائي إلى لغة الجسد الأنثوي حين يقوم بالأداء الجسدي، وكيف يعبر عن نفسه هذا الجسد إن كان جائعا، أو متألما، أو فرحا حيث "الرقص جسدي بجدارة.. تعبير واضح ومكشـوف لشهـوات الجسـد المكتويـة في مجاهـدة الأحاسيس، والخـوف من المجاهـرة والمكاشفـة بها" .(١) كما أن النص في مدخله أعطى الكثير من الدلالات حول حركة الجسد الراقص في حالة الالتواء، والإثارة، وإبراز المفاتن، والانتباه إلى تلك النظرات الذئبة، التي تريد تفريغ جوعها الجسدي، وغليانه في جسد يشعر بالألم والفرح معا.

أصالة الشعوب

منذ أن وعينا ونحن نعرف طبيعة تكوين الشعب الكويتي، فهناك الكويتيون الذين يطلق عليهم مواطنون من الدرجة الأولى، وهناك الذين ليس لهم جنسية كويتية، ويطلق عليهم البدون، وعاش المجتمع الكويتي في وئام، وسلام، وامن، واستقرار من دون أن تثار هذه المسألة إلا بين المعنيين بها، وعلى الرغم من إثارتها بين الحين والآخر عبر النصوص الإبداعية، فإن فئة البدون ظلت قيد الدراسة والنظر، وهذه أمور لا نملك الحديث عنها، باعتبارها خارج نطاق مجالنا، وتخصصنا، غير أن النص الروائي الذي نحاوره قد تطرق إلى هذه الفئة، وهو يضع المقارنات بينها وبين أصحاب المواطنة الأصلية، وكأن النص يفصح عن ضرورة الانتباه إلى هذه الفئة، ومناقشة ظروفها، ومآسيها، وأحلامها، وتطلعاتها المختلفة؛ لأن "أزمة الهوية في المجتمع العربي لها أبعاد سياسية، وثقافية، واجتماعية بالغة العمق، تستحق أن ندرس أصولها، ومظاهرها، وتجلياتها" .(٢) ويبدو دخول النص في مسألة المواطنة، والهوية والانتماء، منطلقا أهمية تلاقي جميع الفئات، والأطراف، وانصهار المركز مع الهامش، إذ باتت القرى والأرياف التي ينظر لها بوصفها هوامش هي الآن في سباق مع المركز، وكذلك المركز الذي لم يعد محصورا عمله وتطلعه في محيطه فقط، بل الأثر طرأ على الهامش أيضا، أليس الانتقال من المدينة إلى الريف والقرية، والعكس نابعا من التلاقي والتعايش؟ ومن هنا تنتفي حالة الاغتراب بقدر الإمكان كلما حاولنا الابتعاد عن هذين التمايز والتفتيت، بين الهامش والمركز، بين صاحب المدينة وصاحب الأحياء، بين صاحب المال والفقير، وأن تلغى المقولة الهيغلية التي مفادها "ان الإنسان أصبح عاجزا في علاقاته بنفسه، ومجتمعه، والمؤسسات التي ينتمي إليها حتى استحال انتماؤه نوعا من اللاانتماء والهامشية" .(٣)

إن الطرح الذي تناوله النص الروائي في ثيمة العلاقة بين أفراد المجتمع الواحد، وما ينبغي أن يكون بينهم من خط تواصلي، وعلاقة مبنية على التبادل والعطاء والانصهار في وطن واحد، وهوية هذا المجتمع هي التي تجمعهم مهما تباينت الأفكار، وتعددت الرؤى، لأن أي مجتمع مهما كان قدمه، وأصالته يبقى الفرد مرتبطا بالجماعة وهويتها، وعليه أن يتكيف ضمن سياقاتها المتعددة، وعلى الجماعة نفسها قبول هذا الفرد، حيث المكان والزمان يتمحوران في هذا الارتباط الذي يكشف عن طبيعة هوية الفرد، وهوية الجماعة، فلم تعد الأصالة، والتجذر للمكان يؤكدان أصالة الهوية بقدر ما يرى هذا الفرد، والجماعة معا في كيفية جعل هوية هذا المكان، وما يتضمنه من هويات أخرى ضمن التمازج والتلاقي في تحقيق الأهداف والطموحات، حيث حقوق المواطنة "هي تلك الحقوق التي تضمنها دولة معينة لمواطنيها بقوة القانون، وعلى ذلك فحقوق المواطنة متجسدة، محددة، قانونية..." .(٤)

إن الهجرات والانتقال من مكان لآخر فعل يدخلنا في التشكيك تجاه الأصل والفرع، أو حول صاحب المواطنة الأولى أو حتى العاشرة، وهذا ما طرحه مرداس متحدثا لابن أخته فهدة قائلا له: "هل تظن أنه مع كل هذه الهجرات التي أتت منذ فجر التاريخ الأول للإنسان ولغاية يومنا هذا قد أبقت لنا ما يسمى بالدم النقي؟" (٥)، ويعني هذا أن الإنسان محتاج إلى أن يكون ضمن إطار مجتمع يشعر فيه بهويته، ووطنيته، وكيانه، وكلما تيقن بارتباطه نحو الهوية التي تعطيه حق الانتماء، والأمن، والاستقرار، والمسئولية؛ لأن كل هذا يؤصل لديه الهوية الثقافية التي "تعبر عن محصلة التفاعلات المتنوعة بين الفرد ومحيطه الاجتماعي..." .(٦) وهنا فلا ينبغي أن يشعر الفرد بالإقصاء، وعدم تلبية حاجاته التي يراها متوافرة لغيره من أفراد المجتمع، حتى تلغى هاجس الساردة فهدة وهي تنظر إلى حيها وأناسه، والمفارقات بين من يعيش هذا الحي، والآخرين، حين تقول: "حين لا يكون لنا علاج متوفر، ويحق لنا الدواء مثلهم، وليس لدينا مستوصفات فاخرة مثل التي لديهم، ولا بطاقة مدنية تكفل لنا التطبيب المجاني مثل ما يحق لهم" .(٧)

جمالية البناء الروائي

تعاملت الروائية فوزية شويش السالم مع النص وفق منطوق لغوي، مع لغة الكتابة وفق التعامل الذي لا يخدش الحياء، أو الإهانة لأحد، أيا كان، فهو تعامل إنساني، واجتماعي، وثقافي، أي تعطي الروائية لغة النص مكانتها الراقية والرفيعة، وهي تتعامل مع مفرداتها في أثناء توظيفها، مكانتها التي ينبغي أن تكون عليها ضمن السياقات التي تناقشها، وبوصفها المبدعة صاحبة الذهنية الفكرية، والمتطلعة إلى القيمة الإنسانية لهذا الوجود، كما تعطي اللغة المكانة الاجتماعية التي لا تقبل أن تهان من خلالها سياق النص، أو مكوناته، أو شخصياته، بل تحافظ على كينونتها التي تستطيع من خلالها التفرد أو الانزياح.

لقد جعل التعامل اللغوي في بعده الثقافي يؤكد فعل الانزياح لمفردات اللغة، بوصفهـا قيما فنيـة، وجمالية، وثقافية، قد تتفق أو تختلف معها ومع دلالاتها، أو ما تطرحه، مثل قول الساردة حول المثلية "الحب المثلي لا يعض، لا يصـرخ، لا يخمش، ولا ينهش، حالـة من اتساق اللحـن مع نغماته، لا مكان فيه للاختلاف أو للتضاد، ولا أثر لمطاردة فريسة، ولا وجود لسهم صياد" (٨)، لكن أين القصد المعلن والقصـد الخفي من وراء هذا النص، وبخاصة إذا اتفقنـا على أن اللغة الروائية "تتميز وتتحـدد هويتها الفنية بمقدار قدرتها على الانزياح إلى ما هو أبعـد من الدلالـة المباشـرة البسيطـة" (٩)؟ واستطاع نص سلالم النهار أن يشكل لغته من خلال عدد من الإشارات، والإيماءات، والعلاقات اللغوية، والدلالية، هذا التشكل الذي لا يشعرك وأنت تقرأ النص بفجوة بين النص نفسه ومفرداته، وإنما وجدت الفجوات لتعطي الاحتمالات والتأويلات، والتأمل الدقيق بين احتمالات النص، وتأويلات القارئ، وبخاصة أن النص واضح في تعامله مع قضايا المجتمع، وإثارتها للمناقشة من منطلق ثقافي في الأساس.

ويعني أن النص لا يأخذك إلى الإغراق في الإيهام والغموض، بقدر ما يأخذك إلى حالة المجتمع، وفق آلية معينة، وأسلوب معين، لذلك كان النص واضعا يديه ومصافحا الروائية من جهة، والمتلقي من جهة ثانية، لمناقشة هؤلاء الثلاثة (الروائية / المرسل، والنص / الرسالة، والمتلقي / المرسل إليه) تلك الأسئلة المسكوت عنها في مجتمع القرن الواحد والعشرين، فعلى كل من الروائية والمتلقي أن "يشتركا معا في لعبة التخيل، التي لن تنجح إذا تأسس النص كشيء لا يزيد من مجموعة قوانين حاكمة، فلذة القارئ عندما يكون منتجا، أي عندما يسمح له النص أن يقوم بتشكيل إمكاناته الخاصة" (١٠)، وهذا ما نراه في نص سلالم النهار. ومن جمالية النص أنه طرح الجسد في تشكله الأنثوي الراقص أو المستلب أو الراغب أو المفتعل، أو الفارض سطوته، كل ذلك عبر اللغة التي ربطت العلاقة الإشارية بين النص من جهة الذي يمثل الدال، والسياقات الأخرى المنتشرة في الرواية التي تمثل المدلول من جهـة ثانيـة، في إطار القيمة اللغويـة التي تؤكد أن "اللغـة مؤسسـة اجتماعية تحكمها أعراف وقوانين محددة" .(١١)

وقد يرى القارئ في فضاء هذا النص حين يتأمله جيدا انزياحات في العلاقة بين الدلالات، وفي التداول لبعض المفردات، وإلى العلاقة بين ما هو الواقع المعيش، وما هو المتخيل الطموح لواقع افتراضي، لم تجبر الكاتبة على أن تنادي به، أو تفرضه سواء من خلال لغتها أم في مضامين طرحها، غير أن دلالات كثيرة تشير إلى دعوة النص نحو مناقشة قضايا المجتمع الملحة، وبخاصة الفئات المهمشة في المجتمع، "فاللغة التي تتكلم من وراء الذات الواعية، أو الذات المستعلية ليست تعبيرا صامتا عن مقاصد صاحبها، وإنما هي تعبير عن معنى يستعصي أبدا على الحضور" (١٢)، وعلى الرغم من هذا فإن النص كشف بكل جرأة عن تلك القضايا المسكوت عنها في المجتمع الخفي، المجتمع الذي يتمتع بأجساد البشر، التمتع بالجسد الأنثوي، أو التمتع بإهانة الجسد الذكوري في تأدية وظائفه المهنية. وما يزيد من جمالية النص سلالم النهار بوصفه جنسا أدبيا قدم نماذج من البنى الاجتماعية والثقافية، وسعى إلى الإتيان بالذاكرة الثقافية المهمشة، لكي يحارب ما يشير إلى تفتيت المجتمع، والتقليل من هوياته الثقافية والدينية والاجتماعية، أو كما يقول بيرجر حول المشكلات الاجتماعية التي لابد من التعامل معها لاستيعاب القيم، كالتكوين الثقافي للنظم، والايديولوجيات، والأنماط المجتمعية المتغيرة (١٣).

استطاع النص الروائي أن يتعامل مع كل هذه المكونات التي تبني المجتمع ومناقشتها، بل حتى البعد النقدي والأدبي والعلمي لم يغب عن النص، وإذا كـان هناك من يشكـل على النص بتوظيفه بعض نصوص من الشعر ونقدها، وبخاصة شعـر نـزار، فهذا لا نعتبره إلا ضمن قبول جنس الرواية كل الأجناس، لأن الرواية هي "الجنس الذي ينفتح متداخلا مع الأجناس الأخرى، والخاضعة لقوانين التحولات، والتشكلات الجديدة" (١٤)، لذا كيف نقبل مناقشة قضية اجتماعية، أو سياسية، أو اقتصادية، ونرفض مسألة أدبية ونقدية؟ كذلك ألم تطرح الرواية مسألة تدوير النفايات والمخلفات، التي لم تعد حكرا على الدراسات العلمية، وإنما باتت ظاهرة بوصفها مسألة ثقافية وحضارية؟

١ - سلالم النهار، ص.٦

٢ - السيد ياسين، الخريطة المعرفية للمجتمع العالمي، ص.١٠٦

٣ - حليم بركات، الاغتراب في الثقافة العربية، ص.٣٥

٤ - ريان فوت، النسوية والمواطنة، ص.١١٣

٥ - سلالم النهار، ص.١٣٣

٦ - دنيس كوش، مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية، ص.١٤٩

٧ - سلالم النهار، ص.٢٧

٨ - سلالم النهار، ص١٠٣-.١٠٤

٩ - رفيعة الطالعي، الحب والجسد والحرية، ص.١٣١

١٠ - سامي إسماعيل، جماليات التلقي، ص.١٤٤

١١ - ميجان الرويلي وسعد البازعي، دليل الناقد الأدبي، ص.٢٩

١٢ - أمينة غصن، قراءات غير بريئة، ص.١٩

١٣- انظر: ميشيل فوكو وآخرون، التحليل الثقافي، تر: فاروق أحمد مصطفى وآخرون، ص٢٤-.٢٧

١٤ - معجب العدواني، الكتابة والمحو، ص.١٢٨















.

نسخة للطباعة

الأعداد السابقة