الجريدة اليومية الأولى في البحرين

العدد : ١٢٤٩٦ - السبت ٩ يونيو ٢٠١٢ م، الموافق ١٩ رجب ١٤٣٣ هـ
(العودة للعدد الأخير)

مقال رئيس التحرير


من أصداء الحوار





عندما نتصدى بالكتابة عن وزير الداخلية فإننا لا نتناول شخصه الكريم، إنما نخوض في معاناة شعب بأكمله، ونتعامل مع واحدة من المسئوليات الكبرى المحفوفة بكل مخاطر الدنيا في هذا الوطن.

شهادة أجد نفسي مسئولا عنها.. مقتضاها انه لا يوجد وزير داخلية في الدول العربية عانى مثلما عانى.. ورأى مثلما رأى.. ومما يهز المشاعر هزا أنه قد عانى ويعاني في صمت بليغ.. ويحمل ما يفوق قدرة المسئول على التحمل.. وكل ذلك في رباطة جأش وصلابة عهدها الكثيرون فيه منذ أن كان ضابطا في قوة دفاع البحرين.. وهل هناك صفة أهم من ذلك يمكن أن يتحلى بها القائد في الميدان؟

شعرت به أكثر وأنا أحاوره مؤخرا.. أحسست ان في دواخله أشياء، ولكنه لا يريد البوح بها.. وأقولها بصراحة: إنني قد احترمت وقدرت فيه هذا الموقف، لأنني عهدته منذ أن عرفته، واقتربت منه كثيرا.. الإنسان الممتلئ بقدر كبير من الحكمة، والقدرة على ضبط النفس، وإيثار عدم التسرع، وانه الإنسان الذي يعمل ألف حساب لمصلحة الدولة العليا، ولمشاعر الآخرين ماداموا هم جميعا من صميم أبناء الوطن.

ولكن بعيدا عن الثقة الزائدة في النفس فقد وجدت نفسي أحقق درجة من النجاح في الظفر بحوار صحفي متميز وثري استحسنه الكثيرون، وأقبلت على قراءته أعداد هائلة، وتفاعلوا معه، وتلقينا فور النشر سيلا من الرسائل والمشاعر المتضامنة والمؤيدة لكل ما قاله الوزير.. ويبدو أن معاليه قد أراد إلا أن يكون كريما معي.. ولكن بقدر ما تسمح له به مقتضيات القيادة الحصيفة.. والمصلحة الوطنية العليا.

بعد أن وضعت حواري مع وزير الداخلية في «قالبه المؤهل للنشر» وجدت لزاما عليّ أن أضحي بأهم متعة مهنية في الدنيا يمكن أن يشعر بها أي صحفي وهي متعة الانفراد لصحيفته بعمل صحفي يكتسب أهمية كبيرة مثل هذا الحوار.. وجدت نفسي - كمواطن يحترم وطنه، ويتفاعل مع قضيته الراهنة - أن أؤثر مصلحة الوطن وأن أقدم نفعا أكبر لقضيته الكبرى.. وكان قراري الذي لا قرار غيره هو أن يعمم هذا الحوار على أوسع نطاق ممكن.

طلبت إلى قسم الترجمة بالزميلة «الجلف ديلي نيوز» ترجمة الحوار كاملا إلى اللغة الإنجليزية ونشره عبر صفحاتها.. وبادرت بإرساله إلى الصحف الكبرى في كل دول مجلس التعاون من دون استثناء أي دولة، وحرصت على أن أرسل الحديث كاملا بغير انتقاص لحرف أو سطر واحد من سطوره.

لم تقف الأمور عند هذا الحد، بل وجدت جميع وكالات الأنباء العربية والأجنبية تبادر مشكورة وعقب نشر الحوار إلى بث أجزاء كبيرة منه وتطيّـرها إلى معظم دول العالم.

الحقيقة، انه كان من أهم ما تلقينا هو اتصالات الأجانب على أرض البحرين ودول المنطقة الذين أبدوا إعجابهم صادقين بما ورد على لسان الشيخ راشد بن عبدالله، وأبدوا رأيهم فيه بصراحة شديدة.. وما ساعد على ذلك هو قوة الطرح في هذا الحوار وملامسته أهم وأبرز القضايا على الساحة، وكشف ما كان ضبابيا أو غامضا.. ووضع كل الأطراف أمام مسئوليتها الوطنية بصراحة.

أبرز ما يتحلى به هذا الرجل هو انه قد نجح في أن يكون القائد الإنسان بكل ما تعنيه هذه العبارة من معنى.. تراه ــ وبكل وضوح ــ يضع حرصه على سلامة رجاله في كفة واحدة مع حرصه على مصلحة الوطن.. لذا ــ وهذا ليس فيه أدنى مبالغة ــ فانه يعد من القادة الميدانيين النادرين الذي يأبى أن يحقق نصرا على حساب سلامة أو حياة جنوده أو مواطنيه.

أليس هو من قال في أحد المؤتمرات الصحفية: «قدر رجال الأمن الأوفياء أن يحافظوا على سلامة الوطن والمواطنين.. وقدرنا أو واجبنا نحن أن نحافظ عليهم وعلى سلامتهم وحياتهم.. ونرفض بكل ما أوتينا أن تهان كرامتهم أو يساء إليهم»؟

كل المواطنين والمقيمين يحفظون الآن وعن ظهر قلب جسامة المسئولية الكبرى والحيوية الملقاة على عاتق هذا الرجل، وان هذه المسئولية قد تفاقمت جسامتها بعد انتهاء فترة السلامة الوطنية.

لكن أقسى ما تحمَّـلَه هذا الرجل في حياته هو ما سمعه أو يسمعه أو يقرؤه من عبارات لوم توجه إلى جهاز الأمن بأكمله.. واتهام هذا الجهاز بالضعف والتراجع، وعدم اتباع الحسم والردع الواجبين ضد من هم قد أساءوا وتمادوا في الإساءة إلى حق الوطن.. بينما الحقيقة هي ــ وبكل تأكيد ــ ليست ضعفا ولا هوانا.. وإنما هي الحكمة وضبط النفس اللذان يتحلى بهما هذا الرجل ورجاله.. وهي أن المسيئين والمتمادين هم أبناء الوطن وليسوا اعداء، وانه لم يفقد الأمل في يوم من الأيام في أن يعودوا إلى رشدهم والى صوابهم ويصبحوا على ما فعلوا أو يفعلون نادمين.

ويخطئ من يفكر في أي لحظة أن جهاز الأمن غير قادر على وضع الأمور في نصابها.. أو حسمها.. ولكنه الصبر الذي يتصف به هذا الرجل.. وهو أيضا القدرة غير العادية على ضبط النفس.. وهو الأمل الذي لا يريد أن يفقده.. ويجب ألا ننسى أن وزير الداخلية هو الذي قال: «ولكـنْ للصبر حدود».

ومن واجبنا جميعا أن نعطي كل ذي حق حقه.. ونقول كلمتنا عرفانا بما يقدمه كل مخلص لوطنه.. وها نحن قد قلناها لوزير الداخلية إزاء ما قدم ويقدم لوطنه، ونزيد: الرجال كالجبال، والجبال لا تهزها العواصف.



.

نسخة للطباعة

من أصداء الحوار

عندما نتصدى بالكتابة عن وزير الداخلية فإننا لا نتناول شخصه الكريم، إنما نخوض في معاناة شعب بأكمله، ونتعامل ... [المزيد]

الأعداد السابقة