الجريدة اليومية الأولى في البحرين

العدد : ١٢٥١٣ - الثلاثاء ٢٦ يونيو ٢٠١٢ م، الموافق ٦ شعبان ١٤٣٣ هـ
(العودة للعدد الأخير)

مقال رئيس التحرير


خطاب مفتوح إلى الرئيس محمد مرسي





نقولها بكل اعتزاز: تحية لمصر.. مصر الحضارة، مصر الثقافة، مصر التاريخ.

وتحية لأبناء مصر المعاصرين على اختلاف مدارسهم الفكرية والعقائدية.

وتحية إجلال وتقدير للقوات المسلحة المصرية وقيادتها المسئولة لما قاموا به من أدوار وجهود، لإحداث أكبر تغيير في تاريخ الصراعات السياسية رغم انه كان بمقدورهم إيقاف أو تجميد أو تجاهل مطالب التغيير من خلال سلطتهم مثلما حدث في كثير من الدول التي عاشت تحت حكم العسكر.

فعلينا أن ندرك حقيقة أن المؤسسة العسكرية المصرية تولت إدارة مقاليد الحكم في مصر منذ عام ١٩٥٢ إلى يومنا هذا أي نحو ٦٠ عاما متواصلة، وليس من السهل تجاهل هذه الحقيقة التاريخية.

إلا أنه من الواضح لنا جميعا، أن هذه المؤسسة العسكرية أثبتت أنها تتمتع بثقافة وفهم وإدراك سياسي كبير لماهية المسئولية التاريخية التي كان عليهم التعامل معها. وخلال أيام، سوف يتم تسليم إدارة دفة الحكم إلى رئيس منتخب يمثل الإرادة الشعبية.

وهنا، نتوجه بحديثنا هذا إلى رئيس الجمهورية المنتخب الجديد د. محمد مرسي، ونقول له:

نعرف عنك القليل، ونعرف أنه لم يسبق لك أن تبوأت أي منصب حكومي.

ونعرف أنك تأتي من أسرة متواضعة شريفة.

ونعرف أيضا أنك قد ذقت مرارة الحياة وقسوتها.

وأنك كنت دائما تواقا إلى الحرية.

وما نقصده بكلمة الحرية هنا هو معناها الشامل.. الحرية الفكرية، وحرية العيش بكرامة.. كل بحسب فكره ومعتقداته. فالحرية التي نقصدها هي ألا تطغى حرية فئة على فئة.

بل إن عظمة مصر تتجلى عبر العصور في استقلالية الإنسان المصري وحريته في اختيار نمط حياته.

هذه الحرية التي ساعدت مصر على أن تنجب كوكبة كبيرة من العلماء والمفكرين والأدباء والموسيقيين والمبدعين في شتى الفنون.

وفوق كل هذا برز أساطير من رجالات ونساء مصر في جميع حقول المعرفة.

ولهذا نقول إن استمرارية الحضارة المصرية من خلال جهود أبنائها كانت نتيجة لتمتع الإنسان المصري بالحرية.

واليوم ينظر العالم إليك يا سيادة الرئيس وإلى مصر، وخاصة أن شخصكم الكريم يمثل مدرسة معيّنة من المدارس الفكرية التي تموج بها الساحة السياسية المصرية.

وهذه المدرسة، كما هو معروف، تنبثق أصولها الفكرية من الدين، وهنا سوف تخوض مصر غمار تجربة جديدة، ربما هي جديدة، نوعا ما، على مصر، ولكنها ليست كذلك بالنسبة إلى العالم الإسلامي. فتركيا عاشت من خلال التعاليم العلمانية لمصطفى كمال أتاتورك حقبة طويلة من الزمن.

غير أن التجربة الحديثة لحزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب أردوغان في تركيا قد أثبتت أن هناك إمكانية للتعايش بين الحداثة والإسلام.

وعلى ذلك نقول، إن الدين يجب ألا ينظر إليه باعتباره سببا للتخلف.

وهنا سنجد الشعب المصري يطرح عليكم يا سيادة الرئيس أسئلة ملحة قد يبدو الحصول على أجوبة عنها صعب المنال، فطريقك أيها الرئيس لن يكون مفروشا بالورد.

فلن يكون مقبولا منكم إرضاء طرف على حساب أطراف أخرى في الوطن.

ولا شك أنكم تعلمون أن من صوتوا لانتخابك رئيسا هم قرابة ٥٢%، في حين أن حوالي نصف الناخبين المصريين لم يذهبوا إلى صناديق الاقتراع أصلا لأسباب عديدة ليس هنا مقام التطرق إليها.

غير أن هذا دليل واضح على أن هذا العدد الهائل من الناخبين الذي قاطع الانتخابات يعبر عن عدم قناعتهم أو ثقتهم بالمرشحين أو ربما بالعملية الانتخابية ذاتها.

وربما لاحظتم يا سيادة الرئيس في الأسبوع الماضي، أن زعيمة المعارضة في بورما أونج سان سوتشي عندما ألقت كلمة تاريخية أمام مجلسي العموم واللوردات البريطانيين قالت: «دعونا ننسى الماضي، ودعونا نفتح صفحة جديدة، فالوطن قادر على احتضان الجميع».

لقد كان ذلك حدثا كبيرا من دولة صغيرة مثل بورما، يعطينا درسا مفاده أننا كعرب ومسلمين في أشد الحاجة إلى وجود رجالات دولة ذوي رؤية تاريخية بحيث يكونون قادرين على لمّ شمل الأمة ومداواة جراح الماضي واطلاق مشروع للمصالحة الوطنية من دون أي مشاعر ثأرية أو انتقامية.

سيادة الرئيس:

ان اسمك أصبح مقترنا بمصر الحقبة الجديدة، مصر الأمل، مصر التي تستطيع أن تؤسس قاعدة ديمقراطية ونموذجا يمكن أن تسترشد به بقية الدول العربية والإسلامية. فإن نجحت يا سيادة الرئيس، فسوف يسجل التاريخ أن فترة رئاستك كانت نقطة تحول ليست في مصر فقط، ولكن أيضا في كلا العالمين العربي والإسلامي بتغيير نمط الحكم ونهج إدارة دفة مقاليد الدولة.

وإن لم تكلل تجربتك بالنجاح، لا قدر الله، فسيكون ذلك بمثابة فشل ذريع للعقل العربي والإسلامي.

أي انه سيكون هناك حكم تاريخي بأن الديمقراطية لا تنجح أو لا تصلح للشعوب العربية والإسلامية.

وهذه تهمة مازال يرددها بعض أعداء الأمة، وعليكم يا سيادة الرئيس تقع مسئولية تبرئة أمتنا من تلك التهمة.

واسمح لي يا سيادة الرئيس أن أنهي رسالتي هذه إليكم بتأكيد حقيقة مصر الحضارة والألفة والتآخي، بما قاله الزعيم السياسي المصري الوفدي القبطي الأستاذ مكرم عبيد: «أنا كمصري، مسيحي في ديني، مسلم في وطني».

وختاما، نتمنى لكم يا سيادة الرئيس أن تقودوا مصر إلى عصر تكون فيه المآذن والكنائس في تآلفها رمزا للوحدة الوطنية.



.

نسخة للطباعة

خطاب مفتوح إلى الرئيس محمد مرسي

نقولها بكل اعتزاز: تحية لمصر.. مصر الحضارة، مصر الثقافة، مصر التاريخ.وتحية لأبناء مصر المعاصرين على اخ... [المزيد]

الأعداد السابقة